لعق الأصابع

ما أجمل أن نتلمس هدى المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فيضيء لنا طريقنا في هذه الدنيا التي ما نحن فيها سوى عابري سبيل .

فنحيي سنته ونعلمها أبناءنا ، فينشئوا عليها ، ويتوارثونها حتى لا تندثر أو تكون طي النسيان .

ومن الآداب ، أدب جليل وسنة محمدية فريدة ، قلما نجد من يطبقها أو يذكر فيها .

عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث قال : وقال ” إذا سقطت لقمة أحدكم ، فليمط عنها الأذى ، وليأكلها ، ولا يدعها للشيطان” .

وأمر أن تسلت القصفة قال : ” فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة” رواه مسلم .(

– وفي رواية أخرى للحديث يرويها جابر بن عبدالله رضي الله عنهما عن
النبي
صلى الله عليه وسلم  : (إذا سقطت لقمة أحدكم ، فليأخذها فليحط ما كان بها من أذى ، وليأكلها ولا يدعهما للشيطان ، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه ، فإنه لا يدري في أي طعامه البركة) رواه مسلم .

وقد أورد الحافظ النووي – رحمه الله – هذين الحديثين في بابين مختلفين من كتابه (رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين) .

الأول في باب (المحافظة على السنة وآدابها) وهو حديث أنس والثاني في باب (التواضع وخفض الجناح للمؤمنين) وهو حديث جابر .

وفي حديث أنس الذي نحن بصدده جملة من آداب الأكل والتي منها :

1- إن الإنسان إذا سقطت لقمته على الأرض فإنه لا يدعها ، لأن الشيطان يحضر للإنسان في جميع شئونه من أكل وشرب ، وجماع ، فإذا لم تسم الله عند الأكل شاركك في الأكل ، وصار يأكل معك ، ولهذا تنزع البركة من الطعام إذا لم يسم عليه ، وإذا سميت الله على الطعام ، ثم سقطت اللقمة ، يعني طاحت من يدك فإن الشيطان يأخذها ، ولكن لا يأخذها ونحن ننظر ، لأن هذا شيء غيبي لا نشاهده ولكننا علمناه بخبر الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام يأخذها الشيطان فيأكلها ، وإن بقيت أمامنا حساً ، لكنه يأكلها غيباً ، هذه من الأمور الغيبية التي يجب أن نصدق بها .

لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم  دلنا على الخير فقال : (فليأخذها وليمط ما بها من أذى وليأكلها ، ولا يدعها للشيطان) أي خذها وامط ما بها من أذى من تراب أو عيدان ، أو غير ذلك ثم كلها ولا تدعها للشيطان . ويكون الإنسان بفعله هذا قد حصل ثلاثة فوائد :

الامتثال لأمر النبي صلى الله عليه وسلم .

التواضع لله عز وجل .

حرمان الشيطان من أكلها .

2- أمره صلى الله عليه وسلم باسلات الصحن أو القصفة ، وهو الإناء الذي فيه الطعام ، فإذا انتهيت فاسلته ، بمعنى أن تتبع ما علق فيه من طعام بأصابعك وتلعقها .

قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين – رحمه الله- : (هذا من السنة التي غفل عنها كثير من الناس مع الأسف حتى من طلبة العلم أيضاً ، إذا فرغوا من الأكل وجدت الجهة التي تليهم مازال الأكل باقياً فيها ، لا يلعقون الصحفة وهذا خلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم بين عليه الصلاة والسلام الحكمة من ذلك فقال : (فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة) ، قد تكون البركة من هذا الطعام في هذا الذي سلته من القصعة ) .

3- ولعلنا نستخلصه من حديث جابر رضي الله عنه ، وهو مكمل للأدبين السابقين ألا وهو : لعق الأصابع قبل مسحها بالمنديل .

قال فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين – رحمه الله- : ( قال الأطباء : إن في لعق الأصابع من بعد الطعام فائدة وهو تيسير الهضم ، لأن هذه الأنامل فيها مادة تفرزها عند اللعق بعد الطعام تيسر الهضم ، ونحن نقول هذا من باب معرفة حكمة الشرع فيما أمر به ، وإلا فالأصل أننا نلعقها امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وكثير من الناس لا يفهمون هذه السنة ، تجده ينتهي من الطعام وحافته التي حوله كلها طعام ، تجده أيضاً يذهب ويغسل دون أن يلعق أصابعه ، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يمسح الإنسان يده بالمنديل حتى يلعق وينظفها من الطعام ثم بعد ذلك يمسح بالمنديل ، ثم بعد ذلك يغسلها إذا شاء فيكون في لعق الأصابع فائدتين :

الأولى : فائدة شرعية :

وهي الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم .

الثانية : فائدة صحية طبية : وهي هذا الإفراز الذي يكون بعد الطعام يعين على الهضم .

والمؤمن لا يجعل همه فيما يتعلق بالصحة البدنية ، أهم شيء عند المؤمن هو اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والاقتداء به ، لأن فيه صحة القلب ، وكلما كان الإنسان للرسول r اتبع كان إيمانه أقوى .

وفي هذا الحديث حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكره فضيلة الشيخ وأنه إذا ذكر الحكم ذكر الحكمة منه ، لأن ذكر الحكمة مقروناً بالحكم يفيد فائدتين عظيمتين :

1 بيان سمو الشريعة ، وأنها شريفة مبنية على المصالح ، فما من شيء أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم إلا والمصلحة في وجوده ، وما من شيء نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم إلا والمصلحة في عدمه .

2- زيادة اطمئنان النفس ، لأن الإنسان بشر قد يكون عنده إيمان وتسليم بما حكم الله به ورسوله ، لكن إذا ذكرت الحكمة ازداد إيماناً وازداد يقيناً ونشط على فعل المأمور أو ترك المحظور .



البركان الخامد

البركان الخامد عندما يثور

لا يمكن لأحد أن يتنبأ  متى سيقذف بالحمم

كما هي المشاعر عندما تخبو  جذوتها

وتصبح  كُتلاً من الرواسب الجامدة

العديمة الملامح

وهي تُنذر بيومٍ تنفجرُ فيه


الهروب من واقع الحياة

إن الإنسان المؤمن في هذه الحياة الدنيا ليعلم علم اليقين أن ما يحدث له من أمور سارة أو ضارة  فهي بتقدير الله عز وجل

وله سبحانه الحكمة في ابتلاء عباده .

ولكن البعض من الناس لايعرف هذه الحقيقة ، وأن الحياة لا تصفو لأحد ، ولا يعرف الهدف منها ، ولا الغاية لوجوده فيها .

ولذلك نجد أن الذين ينظرون إلى الدنيا بعين السخط وعدم الرضا ، في ضيق من أمرهم  وحزن

لذلك يحاول الكثير من هؤلاء الذين ينظرون إلى الدنيا بنظرة سوداء

الهروب من واقعهم الذي يعيشون فيه

وتختلف وسائل الهروب من شخص إلى آخر ، ومن حالة إلى

أخرى

1-  السفر :

أوالهجرة من مدينة إلى أخرى  ، أو من دولة إلى أخرى ،

هارباً من الواقع والوضع الذي يعيش فيه ، وحياته السيئة ، أو من تصرفات وأفعال حصلت منه ، وقد يترك كل شيء خلفه ، حتى لا يتذكر ماضيه ، وقد لا يعود إلى بلده أو دولته ، يسافر لينسى واقعه ، وما حصل منه وعليه .

2- الخمر والمخدرات :

من أهم الأسباب التي تؤدي إلى تعاطي الخمر والمخدرات : الهروب من الواقع ، فيظن من يريد أن يهرب من واقعه أنها سوف تنسيه ما هو فيه ، وتحل مشكلاته

، فإذا تعاطاها وقع في مصيبة أخرى ؛ هي إدمانها .

3- إلقاء المسئولية على الغير ( الآخرين ) :

بمعنى أن يكلف غيره بالأمر الذي أُسنِد إليه ، هرباً من المسئولية وتكاليفها ، لا لأن غيره أحق بها منه ، وأنه لا يستطيع القيام بها ، بل قد يكون هو الأصلح للقيام بها ، وتحملها ، ولكن لحبه للراحة والسكون ، يلقيها على غيره ، فهو ضعيف الإرادة ، قليل الإهتمام ، إنسان أناني .

4- النوم :

النوم أرخص وأسهل وأسرع طريقة لتحقيق الأحلام ، يلجأ إليها

المرء هرباً من حالته التي تسيطر عليه ، أو من حالة خوف أصابته ، أو من حالة مرضية ، سواء نفسية أو عضوية ، وقد يكون النوم في هذه الحالة ليس في الوقت الطبيعي له ، بل في وقت غير ذلك ، ويكون في أي مكان وعلى أي حال .

5- تناسي الأمور :

وذلك بقيامه بالأعمال والأشغال التي في بعض الأحيان تكون

شاقة وصعبة ، أو ممارسة الهوايات الرياضية ، محاولاً تناسي

أشغاله وهمومه وحالته السيئة ، وهذه الوسيلة قد تكون في بعض الأحيان جيدة ، ومن صالح الإنسان ، لتخفف عنه بعض

بعض الحِمل ، ولعله يجد راحة وتسلية لنفسه ، ولكنها هنا لغير ذلك ، بل للهروب من الواقع .

6-  العناية الفائقة بالصحة واللياقة البدنية :

صاحب هذا الواقع   –  واقع الشيخوخة  ، أو الخوف من المرض ، أو هروباً من إعداد الشخصية المتكاملة  –  يركز على الجانب الرياضي والصحة ، فتجده يهرب من واقعه بأن يعتني بصحته ولياقته أكثر من اللازم ، ويخشى العدوى بشكل زائد عن الحد المطلوب ، ولا يخالط الآخرين ، وتجده يقوم بالرياضة واللياقة البدنية حتى يوهم نفسه أنه ما زال في سن الشباب ، وأن واقعه لم يتغير ، وأن صحته وقوته على ما هي عليه  في سن الشباب ، ولم يعلم بأنه مهما عمل وحاول ، فإن الحقيقة هي : أنه يسير إلى الشيخوخة ، وأن الذي يركز على جانب الصحة واللياقة البدنية قد أهمل الجوانب الأخرى ، مثل : الجانب الروحي والعقلي والأخلاقي والدعوي .

7-  الإرتباط العاطفي ( التعلق بالغير ) :

عندما يسوء واقع بعض الأشخاص ، ولا يدري ماذا يفعل تجاه واقعه ، يلجأ إلى الهروب من واقعه إلى الإرتباط بشخص ارتباطاً عاطفياً محاولاً نسيان واقعه ، وظاناً أن الشخص الذي تعلق به سوف يغير من واقعه ، ويكون هذا الإرتباط  من الرجال والنساء ، ويكون من الصغار والكبار ، ألا ترى أن كبار السن خاصة ذوي العقد الواقع بين الأربعين

والخمسين ، والذي لم يبلغوا مرحلة النضج التي يتحدثون عنها ، والشكوك  تتكاثر حول ما تبقى من العمر ، وسرعان ما يتحول القلق إلى نوع من الهلع الصامت الذي يحتار الرجل كيف يتعامل معه ، ولذلك يهرب بعض أولئك الرجال من واقعهم بالإرتباطات العاطفية بنساء صغيرات في  السن  .

8-  الإعتناء الزائد بالمظهر والأناقة :

نجد أن هذا الشخص من الذين لم يعطهم الله قدراً كافياً من الجمال ، أو الهيئة الحسنة ، أو لصغر السن سواءً من الرجال أو من النساء ، أو حالته المادية سيئة ، يلجأ هذا الشخص إلى الإعتناء الزائد بمظهره، وأناقته فهو يقف طويلاً أمام المرآة ، يصفف شعره ، ويزين ملابسه وهيئته ، وبهذا يحاول أن يغير من واقعه بتلك الوسيلة ليهرب من واقعه ، ويظهر للناس أن هيئته وزيه جميل ، وأن حالته المادية جيدة .

9-  الإستغراق في العمل

بعض الأشخاص يستغرق في عمله أياً كان ، ويجهد نفسه ليس حباً في العمل ولا رغبة فيه ، ولكن   –  كما قلنا –  هروباً من واقعه وحتى لا يتذكر همومه ومشاكلاته ، وعندما ينتهي من عمله يجد نفسه محتاجاً إلى الراحة ، فيذهب لها ، متناسياً همومه وواقعه .

10 –  العزلة :

بمعنى ترك مخالطة الناس ، وعدم المشاركة في التجمعات ، مثل : الإحتفالات والمناسبات ، أو الأعمال الجماعية ، فهو يحب العيش وحده ، وينفرد بهمومه وأفكاره ، وذلك لأنه يريد ألا يشاركه أحد في

واقعه ، أو يطلع على أسراره .

11- القراءة :

يلجأ بعض الناس إلى القراءة لا حباً لها ، ولا رغبة في الفائدة ،

ولكن محاولة لنسيان  ماهو فيه ، هروباً من التفكير بحاله ، فهو يقرأ

ما يقع في يده سواء كان نافعاً أو ضاراً ، وأكثر ما يقرأ الروايات والقصص ؛ لأنه يجد فيها متنفساً لهمومه .

12 –  الضحك والمزاح :

يكثر بعض الناس من  الضحك والمزاح ، ليس لأنه سعيد ومسرور

، ولكن ليهرب من واقعه ، الذي لا يرضاه ، وقد يكون واقعه سيئاً ، فهو دائماً ضحوك كثير المزاح ، حتى إذا رأيته حسبته من أسعد الناس، وأنه خال من المشكلات والمنغصات ، ولكن عندما تبحث في حاله وواقعه تجد أن واقعه سيئ ، وأن حاله يرثى لها ، ولذلك يلجأ إلى الضحك والمزاح هرباً منه ومسلياً لنفسه .

13- الأصدقاء ( الشلة )

الإنسان الذي يعاني من واقعه يلجأ إلى أصدقاء يخالطهم ويجالسهم ،

ويلهو معهم ، ويحاول نسيان مشكلاته وواقعه ، ويساعده أصدقاؤه في ذلك بأن يهونوا عليه الأمور ، وعدم إشغال ذهنه بها ، وهذا بالنسبة للأصدقاء الأخيار ، فهم خير له ، وقد يساعدونه على حل مشكلاته وتغيير واقعه ، وأما أصدقاء السوء : فهم شر وزيادة بلاء ، بل قد يغرونه بتعاطي المخدرات والوقوع في الجرائم والسرقة ونحو ذلك .

14- أحلام اليقظة ( الأماني ) :

وهي أن يتخيل صاحبها أنه قد حصل له ما أراد وأنه أنجز ما طلب منه

من عمل أو تكليف ، وأن عنده ما يتمناه من أمور الدنيا .

وهي كما يقول ابن القيم : ( ويفسد القلب ركوبه بحر التمني ، وهو بحرٌ لا ساحل له ، وهو البحر الذي يركبه مفاليس العالم  إلى آخر

كلامه ) .

15- التأجيل ( التسويف ) :

إن كلمة سوف يستعملها الإنسان ليهرب من شيء لا يريد عمله ،

أو يريد الهروب منه ،فهو يحتج بالتأجيل ، ويوهم نفسه بذلك حتى

يمر الوقت ، وهو على حاله لم يتغير شيء ، ولم ينجز عملاً .

16-   السقود في الرذيلة

يلجأ بعض الناس إلى الوقوع في الرذيلة ، مثل الزنا أو السرقة أو الإجرام عموماً، هروباً من واقعه ، وظاناً أن هذا الأمر – الذي وقع فيه – سوف يغير من حاله المعنوية  والحسية ، ولكنه عندما يقع في الرذيلة لا يستطيع التراجع أو الإقلاع عنها .

17-   ترك العمل :

وهو أن يخرج من واقعه نهائياً ؛ كترك الوظيفة ، أو التخلص من مهمة أو مسئولية ، كترك الأولاد والزوجة ، وبذلك يتخلص من واقعه ، ويتغير معه دوره وحاله .

18-  الجنون :

نصف حالات الجنون قد تكون حاصلة بسبب عضوي ، ولكن يذهب بعض علماء النفس إلى أن النصف الآخر يسعون إلى الجنون بأنفسهم ، عسى أن يجدوا في أرض الأحلام ذلك الإحساس بالأهمية الذي افتقدوه في أرض الحقائق ، وأن يجدوا ما يسعدهم ويرضيهم ؛ لأن واقعهم لم يحقق لهم ما يرضيهم ويسعدهم ، وبذلك يلجأون إلى الجنون لتحقيق أحلامهم .

19-  الإنتحار :

وهو أن يقتل نفسه هرباً من واقعه الذي يعيش فيه ؛ من خسارة تجارية أو زوال منصب ، أو فقد حبيب ، وهذا الأمر متفش في المجتمعات الكافرة  .

من كتاب : الهروب من واقع الحياة

لحمود السليم

شاب ممدد على الأرض

كان الطريق مزدحماً جداً .

يا إلهي متى نصل ؟ رددتُها بتأفف .

كما توقعت حادثٌ أربك السير في العاصمة الرياض .

دورية أمن تعقُبها سيارة إسعاف – سترك ياآ الله –

الأنفاس محبوسة ، اللهم أُلطف بنا .

تمرُ السيارة التي تقلني أمام الحادث ، وكالعادة تجمهرٌ يُعيق فُرصة النجاة .

ومن بين الجموع لمحتُه شاب ممدد على الأرض ، شكلُهُ يوحي

بالخوف أقصد بالموت .

دمعةٌ حرَى تسيل من عيني ياترى كيف ستستقبل أسرته هذا الخبر

المفجع ؟

وبينما أنا كذلك إذ بشابٍ لايقلُ عمره عن الآخر

لكن الفرق أن الأول ميت والآخر حي !!

يلتقط بكاميرا الجوال وبكل ما أُوتي من قوة ، صورةً حيَة لذلك الشاب ضارباً بتعاطف الجسد الواحد ، وبالمشاعر      وبهيبة الموقف عرض  الحائط .

ألهذه الدرجة يُستهان بالموت وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( كفى بالموت واعظاً )!

مابالُ تلك القلوب التي تحجرت فلم تعُد تفرق بين صواب وخطأ؟

من لم يتعظ من هذا الموقف فمتى يتعظ ؟

اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة .

هل من الممكن أن يعين الإنسان أخاه ؟

كنت دائماً أتساءل هل ممكن أن يعين المسلم ذو النفس الطيبة أخاه ؟

أعني لو كنت أتحدث مع صديقة حميمة وأخبرتُها يشيءٍ حصل لي  كخبرٍ مُفرح

بنجاح بتفوق ،  أو حصولي  على وظيفةٍ مرموقة  ، أوشراء  بعض الكماليات النفيسة

أو …  أو …

ووجدت ما قضى على حيرتي في كلام الشيخ : عبدالله بن محمد السدحان

– حفظه الله –  حيث قسم العائن إلى قسمين :

أولاً : فهناك العائن ذو النفس الخبيثة التي لاتؤمن بقضاء الله وقدره ، ولديها ضعف

في الإيمان ، ولايرضيها إلا تمني زوال النعمة عن الغير ، فيطلق الوصف بدون ذكر

الله ولا تبريك ، فتتلقفها الأرواح الشيطانية الحاضرة التي تتمنى أذى المسلم وتكون

حينئذ – إذا أراد الله ولم يكن ثمة تحصين – مهلكة ، وهذه هي التي قال عنها رسول

: ( العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر ) . وهذا الحسد هو حسد اليهود ومن على

شاكلتهم . ( عياذاً بالله من ذلك ) .

ثانياً : وهناك عائن ذو نفس طيبة ولكن في غمرة التنافس يطلق الوصف دون ذكر

الله ، فتتلقفه الشياطين الحاضرة ، فتعمد إلى إيذاء المعيون بالضيقة والخوف

وتعطيله وإيذائه في جسده . وتكون حينئذ مزعجة وعلاجه سهل بإذن الله ، ومثال هذا

القسم هو ماورد في الصحيح في حديث عامر بن ربيعة وسهل بن حنيف ، وسوف

نسوق الحديث بطوله .

وليُعلم أن كل إنسان – أي إنسان – يستطيع أن يضر أخاه بإذن الله بشرطٍ واحد وهو

: أن يطلق عليه وصفاً بدون أن يذكر الله .وهذا العمل محرم لأنه من سم اللسان

المنهي عنه . يقول ابن حجر : ( إنَ العين تكون مع الإعجاب ولوبغير حسد ولو من

الرجل المحب ومن الرجل الصالح ، وإنَ الذي يعجبه الشيء ينبغي أن يبادر إلى

الدعاء للذي يعجبه بالبركه ، فيكون ذلك رقية منه ) .

أما حديث عامر بن ربيعة وسهل بن حنيف فعن أبي أمامة ين سهل بن حنيف قال: (

اغتسل أبي سهل بن حنيف   بالخرَار – وادي في المدينة – فنزع جُبةً كانت عليه وعامر بن ربيعة ينظر إليه

، وكان سهل شديد البياض حسن الجلد ، فقال عامر : مارأيت كاليوم ولاجلد مخبأة

عذراء فوعكَ سهل مكانه واشتدَ وعكه ، فأخبرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم

بوعكه فقِيل له : مايرفع رأسه ، فقال تتهمون له  أحداً ؟ قالوا : عامر بن ربيعة ، فدعاه

رسول الله صلى الله عليه وسلم  فتغيظ عليه فقال : ( علام يقتل أحدكم أخاه ؟ ألا

برَكت ؟ اغتسل له ) . فغسل عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه

وداخلة إِزاره في قدح ثم صُبَ عليه من ورائه فبرأ سهل من ساعته .

وفي رواية ( قال – أي عامر بن ربيعة  – فنظرت إليه أي إلى سهل – فأصبته بعيني

فسمعت له قرقعة في الماء فأتيته وناديته فلم يجبني فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم

فأخبرته فجاء يمشي فخاض الماء حتى كأني أنظر إلى بياض ساقيه فضرب صدره

ثم قال : ( اللهم أذهب عنه حرَها وبردها ووصبها ) فقام ! فقال النبي صلى الله عليه

وسلم : ( إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو أخيه ما يحب فليبرَك فإن العين حق ).

وفي رواية الترمذي في كيفية الإغتسال للعائن : ( يؤمر الرجل العائن بقدح فيدخل

كفه في  فيه فيتمضمض ثم يمجه في القدح ) .

ويقول ابن القيم  في زاد المعاد : ( إنَ المغابن والأطراف وداخلة  الإزار هذه

المواضع  للأرواح الشيطانية بها اختصاص ) . وروى الترمذي بسندٍ حسن

: ( أنَ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الجان ومن عين الإنسان ).

من فوائد هذا الحديث

الأولى : لما توصَف عامرٌ سهلاً ولم يذكر الله ولم يبرِك انطلقَ شيطان من عامر

معجباً يهذا الوصف وأوقع الأذى بسهل ، فانطلق الصحابة إلى النبي صلى الله عليه

وسلم وأخبروه ، فأول سؤال طرحه عليهم : ( هل تتهمون له أحداً ) . ويندرج تحت

هذا السؤال مجموعة أسئلة : تطرح على المريض :

س1 : هل تتهم أَحداً معيناً توصفك بوصف ؟

س2 :  هل أخبرك واحدٌ من الناس عمن قال فيك وصفاً ؟

س3 : هل ترى في المنام أَحداً من الناس يؤذيك بإستمرار؟

س4 : هل ترى في المنام حيوانات : كالكلاب والإبل والقطط والقردة والثعابين

والعقارب والفئران والخنافس تهاجمك ؟

فإن كان الجواب بنعم ، فالأسئلة الأُولى يؤخذ من الشخص المتوصف من ريقه أو

عرقه ، ويتسبب منه بأن يكب على الرأس من فوق كبة واحدة ويُشرب منه إِن كانت

العين أصابت داخل البطن .

أما السؤال الرابع فإن كان الجواب بنعم ، فيستأنس بحديث عن  النبي صلى الله عليه

وسلم : ( للرؤيا كُنى وأسماء فكنوها واعتبروها بأسماءها ) .

فنسأل هذا المريض ماذا يعني لك هذا الحيوان من أَقاربك وزملائك وجيرانك، أو أين

ترى موقع ذلك الحيوان ؟ فيقع في خاطره مجموعة أشخاص فيتسبب منهم ، لأنَ

الإنسان إذا كان ذاكرا لله عز وجل باستمرار فهو يؤذي ذلك الشيطان الذي جاء عن

طريق وصف ويؤذيه بهذا الذكر، فيتراءى له في المنام الشخص العائن أو الحيوان

الدال على العائن حتى يتخلص مما هو فيه ، وكأنه يقول : هذا هو العائن فتسبب منه

وخلصني من هذا العذاب ؛ لأنَ النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( إِ ن أحَدكم

لينصي  – وفي رواية  – ليضني – شيطانه كما ينصي أحدكم بعيره في السفر ) .

أي من كثرة الذكر .

الثانية :أنَ التبريك على الوصف وذكر اسم الله يمنع وصول الجان إلى المعيون

ويحصنهُ ، فقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ألا بركت ) يفيد هذا المعنى ،

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( سِتر مابين أعين الجن وعورات بني آدم

قول : بسم الله ) .

الثالثة : أمر النبي صلى الله عليه وسلم عامراً بالإغتسال ، ويقول ابن القيم : ( إنَ

المغابن والأطراف ، هذه المواضع للأَرواح الشيطانية بها اختصاص ) .

بمعنى أَن الإِنسان له رائحة عرق مميزة ، فكل إِنسان لايشبه الآخر يعرف ذلك

الكلب ويعرف ذلك أَيضاً الشيطان الذي انطلقَ من العائن ، فحين يؤخذ عرقه أَو ريقه

ثم يغتسل به ، ويشرب منه إن كانت العين لها إيذاء بداخل البطن ، فيبتعد هذا

الشيطان لأَنَه مربوط بهذا الوصف الذي أَعجبه ، فدخول ُ هذا العرق من العائن داخل

جسد المعيون فكأنَ العائن تملكه وحينئذ ينفك عنه شيطانه .

الرابعة :[ صُبَ عليه من ورائه ] أَي مكان رؤية العائن ، ولأَنَ الشيطان المنطلقَ

على الوصف وهو شدة البياض – وهو عام في الجسم – فَكُبَ على رأسه حتى يعم

جسده موضع العين ، فلو أن  معيوناً بسبب كثرة أَكله مثلاً ثم أَصابه أَلمٌ في بطنه

فلابد أَن يصل هذا السبب ( الريق أَو العرق ) إِلى داخل بطنه لأَنه موضع العين ،

وهكذا ولايشترط الإغتسال .

فائدة : ثبت علمياً أن الريق والعرق والشعر والظفر والدم ، ترسل ذبذبة خاصة

من جسم صاحبها حتى ولو انفصلت عنه ، ولهذا يستخدم الساحر الظفروالشعر

في عملية السحر لاستخدام هذه الذبذبة عن طريق الجن في الإضرار بالمسحور.

الخامسة : ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم صدر سهل وقوله : ( اللهم أذهب عنه

حرَها وبردها ووصبها ) وهذا دليل قاطع على أن العين يتبعها شيطان فيتلبس

المعيون جزئياً فتحصل له الضيقة في الصدر – بسبب ضغط هذا الشيطان – الذي

من علامات تلبسه  كما  في الحديث حرارة الظهر وبرودة الأطراف وتعب في

الجسم  كله بالإضافة إلى تلك الضيقة المتمثلة في كثرة التجشأ والتثاؤب وشدة

الإنفعال .

السادسة : إذا لم يتهم أحداً معيناً فحينئذ يشرع في القراءة عليه ، وقبل القراءة

لابد أَن ينبه المريض إِلى : أمور تلزم المرقي عليه قبل الرقية

من كتاب :كيف تعالج مريضك بالرقية الشرعية

للشيخ : عبدالله بن محمد السدحان

الصداقة والصحة

قول إحدى النظريات أن الأصدقاء يعملون كمزيل للتوتر والإجهاد ، مما يوفر لنا دعماً اجتماعياً ونفسياً وتعزز علاقات الصداقة بعض السلوكيات المفيدة للصحة ، مثل النوم الجيد والنشاط البدني.

ويشير العلماء أيضاً إلى حقيقة أننا مبرمجين بطبعنا للبحث عن الآخرين والتفاعل معهم ، لذلك عندما نقضي أوقاتاً طويلة بعيداً عن الآخرين فإن أجسامنا تنتج إشارات الحزن والقلق ، فالإنسان يكون ضعيفاً بصفته الفردية ، لذلك فإن العزلة الإجتماعية حالة يكمن فيها الخطر ، فعندما تشعر بالوحدة يستجيب جسمك بزيادة مستويات هرمون الكورتيزون ويضعك في حالة يقظة وحذر كأنك تواجه عدواً ، ومع استطالة فترات العزلة فإن مضاعفة كميات الكورتيزون يمكن أن تصيبنا بالضرر بزيادة احتمال إصابتنا بالأمراض المزمنة مثل أمراض القلب وضغط الدمالعالي،ويؤدي ذلك أيضاً إلى إتلاف الخلايا مما يؤثر سلباً على الذاكرة والنوم .

وعندما تمتد علاقتنا بشخص لمدة طويلة من الزمن ، فإننا نتأثر بسلوكهم وانفعالاتهم العاطفية ويعمل دماغنا على ربط ذلك الشخص بالمشاعر الجيدة ويتفاعل معه وفقاً لذلك

ولهذا السبب ما إن تكون في حالة نفسية سيئة وتفكر بالإتصال بصديق ما أو زيارته أو تتبادل معه أطراف الحديث إلا وتشعر بتحسن حالتك النفسية ورفع روحك المعنوية .

وفي بحث أجري في جامعة أمريكية لمجموعة من الأشخاص وبعد قياس مستوى علاقاتهم الإجتماعية وارتباطاتهم بالآخرين ، ومن ثم تعريضهم لفيروس نزلة برد وجد أن الذين لديهم مستوى أقل من العلاقات الإجتماعية الحميمة كان احتمال إصابتهم بنزلة البرد أكبر بأربعة أضعاف من المجموعة الأخرى .

من كلام ابن القيم الجوزية

قال ابن القيم الجوزية :

( وتأمل حكمة الرَب تعالى في كونه أخلى الكفين والجبهة والأخمصين من الشعر . فإن الكفين خلقا حاكمين على الملموسات فلو حصل الشعر فيهما لأخل بذلك ، وخلقا للقبض ، وإلصاق اللحم على المقبوض أعون على جودته من إلتصاق الشعر به . وأيضاَ فإنهما آلة الأخذ والعطاء ، والأكل ، ووجود الشعر فيهما يخل بتمام هذه المنفعة .

وأما الأخمصان فلو نبت الشعر فيهما لأضر بالماشي وأعاقه في المشي كثيراً ممايعلق بشعره مما على الأرض ، ويتعلق شعره بما عليها أيضاً . هذا مع أن أكثر الأوتار والأغشية في الكفين مانع من نفوذ الأبخرة فيها . وأما الأخمصين فإن الأبخرة تتصاعد إلى علو ، وكلما تصاعد كان الشعر أكثر . وأيضاً فإن كثرة وطء الأرض بالأخمصين يصلبهما ويجعل سطحهما أملس لاينبت شيئاً ، كما أن الأرض التي توطأ كثيراً لاتنبت شيئا .

وأما الجبهة فلو نبت الشعر عليها لستر محاسنها ، وأظلم الوجه ، وتدلى على العين . وكان يحتاج إلى حلقه دائماً ، ومنع العينين من كمال الإدراك . والسبب المؤدي إلى لذلك أن الذي تحت عظم الجبهة هو مقدم الدماغ ، وهو بارد رطب ، والبخار لايتحرك منحرفاً إلى الجبهة ، بل صاعداً

إلى فوق ) .